الرمز في قصيدة أراك عصي الدمع

ذكر الشاعر في الأبيات حالته نتيجة اشتياقه وما يعانيه من ألم في غربته، أخذ يذكر معللته التي تصبره وتحاول أن تخفف ألمه فتعده بالوصل، وما تلك المحبوبة وتلك الأماني والوعود إلا من سيف الدولة إلى أبي فراس، إذ كان سيف الدولة يعد أبا فراس بالفداء، وقد حارب أبو فراس أبناء أخواله الروم حبًّا في سيف الدولة الذي رباه، يقول الشاعر:

اقرأ أيضًا شرح 100 قصيدة شعرية.. تعرف على ساحة نيجيريا وأهم المعاجم العربية

أجمل ما قيل في الغربة والاشتياق

مُعَلِّلَتي بالوَصْلِ، والمَوتُ دونَهُ إذا مِتُّ ظَمْانا فلا نَزَلَ القَطْرُ!

بَدَوْتُ، وأهلي حاضِرونَ، لأنَّنِي أرى أنَّ دارًا، لستِ من أهلِها، قَفْرُ

وحارَبْتُ قَوْمي في هواكِ، وإنهُمْ وإيّايَ -لولا حُبُّكِ- الماءُ والخَمْرُ

تُسائلُني من أنتَ؟ وهي عَليمَةٌ وهل بِفَتىً مِثْلي على حالِهِ نُكْرُ؟

فقلتُ كما شاءَتْ وشاءَ لها الهوى قَتيلُكِ! قالت: أيُّهمْ؟ فَهُمْ كُثْرُ

فقلتُ لها: لو شَئْتِ لم تَتَعَنَّتي، ولم تَسْألي عَنّي وعندكِ بي خُبْرُ!

فقالتْ: لقد أَزْرى بكَ الدَّهْرُ بَعدنا فقلتُ: معاذَ اللهِ بل أنت لا الدّهر

وما كان لِلأحْزان، لولاكِ، مَسْلَكٌ إلى القلبِ، لكنَّ الهوى لِلْبِلى جِسْر

فلا تُنْكِريني، يا ابْنَةَ العَمِّ، إنهُ لَيَعْرِفُ من أنكَرْتهِ البَدْوُ والحَضْرُ

ولا تُنْكِريني، إنَّنِي غيرُ مُنْكَرٍ إذا زَلَّتِ الأقْدامُ، واسْتُنْزِلَ النّصْرُ

بعد مرور وقت من عدم فداء سيف الدولة لأبي فراس ومساواته بعامة المسلمين، إذ إن سيف الدولة رفض أن يتبادل الفدية مع الروم بإعطائهم ابن أخت ملك الروم مقابل ابن أخ سيف الدولة، وعمل على الحث على إخراج جميع المسلمين دفعة واحدة وعدم تمييز أبي فراس من بينهم، وكأنه لا توجد علاقة نسب بينهما وكأن ابن عمه الذي رباه لا يعرفه، ونسي ما قدمه أبو فراس للدولة الحمدانية من انتصارات.. يقول الشاعر واصفًا حالة الجحود والإنكار التي كانت من سيف الدولة لأبي فراس: 

اقرأ أيضًا الفخر في الأدب الجاهلي ( دراسة موضوعية لشعر الفخر عند قيس بن الخطيم )

بعض الأبيات الشعرية معبرة عن حجود سيف الدولة لأبي فراس

تُسائلُني من أنتَ؟ وهي عَليمَةٌ    وهل بِفَتىً مِثْلي على حالِهِ نُكْرُ؟

فقلتُ كما شاءَتْ وشاءَ لها الهوى       قَتيلُكِ! قالت: أيُّهمْ؟ فَهُمْ كُثْرُ

فقلتُ لها: لو شَئْتِ لم تَتَعَنَّتي      ولم تَسْألي عَنّي وعندكِ بي خُبْرُ!

فقالتْ: لقد أَزْرى بكَ الدَّهْرُ بَعدنا        فقلتُ: معاذَ اللهِ بل أنت لا الدّهر

وما كان لِلأحْزان  لولاكِ مَسْلَكٌ      إلى القلبِ، لكنَّ الهوى لِلْبِلى جِسْر

 يظهر إنكار سيف الدولة لابي فراس على هيئة حوار بينه والمحبوبة التي هي هنا بمنزلة رمز لسيف الدولة، الذي ينكر معرفته أبا فراس فيقول: من أنتَ؟

فيسأل عن الشاعر منكرًا معرفته به، ما جعل إجابة أبي فراس طائعة لرغبات محبوبه، وجارية في مجال هدفه، فصغر من نفسه وأذلها للهوى.

اقرأ أيضًا الغايات من السباعيات ودراسة الشعر العربي النيجيري

اتجاه الشاعر للخطاب محاولًا إثبات نفسه

يدلنا على ذلك تدخله في عرض المونولوج الذي يُحَدِّثُ فيه نفسه بأنه لم يجب هذه الإجابة التي تدل على ذلة إلا لأنَّه أراد أن يقول ما تشاء هي وما تراه، ليحقق غرضًا ما، وليدلل على شيء لم يكن ليظهر لو أنه أجاب الإجابة التقريرية المباشرة بذكر اسمه وصفته.

ولعله بذلك المجاز أراد أن يجاري نبرة السخرية التي بدأت بها الحوار، فقد بدأ الحوار بسؤال المعشوقة عاشقها من أنت؟ وهي عليمة من هو، فكان من البديهي أن يجيب العاشق بالإجابة التي تكمل هذا المشهد الدرامي بين العاشق ومعشوقته، فأجاب كحال أي حبيب مشتاق لحبيبه، إذ قال: قتيلك، إلا أنَّ المعشوق لم يقابل الحب بالحب بل تكبر وتنكر.

وزاد وجع صاحبه، فقال مستفهمًا: أيهم؟ وزاد عليها أنْ أوضح أنَّ قتلاه كُثر، معبرًا بذلك عن إنكاره مشاعر أبي فراس فضلًا عن إنكاره معرفته، فهو مجرد شخص لا يذكر لكثرة من يشبهونه، إلا أنَّ أبا فراس بعد هذا الرد ظهر محتلًا مساحة شاسعة، إذ تكرر مرتين في ملفوظ تعجبي إنكاري ينكر ما قبله: (لو شَئْتِ لم تَتَعَنَّتي، ولم تَسْألي عَنّي وعندكِ بي خُبْرُ!).

إذ إنَّ تكرار ياء المتكلم في (عني) و(بي) يوحي بمكانة العاشق ومنزلته ومجده، ويشير إلى أنَّ هذه المكانة هي التي جعلت معشوقته تسأل عنه رغم أنَّها تعرف من هو، ما أدى إلى ظهور الذات السارد في نهاية هذا البرنامج السردي، منتصرًا مثبتًا نفسه، مظهرًا قسوة حبيبته وشدة إنكارها له ولمكانته في قلبها، وأنها بفعلها هذا إنَّمَا تدعي عدم معرفته، وتسأل عنه نكرانًا وتجاهلًا لشيء في نفسها قد يكون حبًّا شديدًا أو اعترافًا بعلو مكانته.

هذا، وينتهي المقطع بخطاب الشاعر لابنة عمه مواصلًا رغبته في إثبات نفسه وكيانه، يقول:

فلا تُنْكِريني، يا ابْنَةَ العَمِّ، إنهُ لَيَعْرِفُ من أنكَرْتهِ البَدْوُ والحَضْرُ

ولا تُنْكِريني، إنَّنِي غيرُ مُنْكَرٍ إذا زَلَّتِ الأقْدامُ، واسْتُنْزِلَ النّصْرُ

وما اختيار الشاعر لفظة (ابنة العم) إلا دليل على أن المرأة المذكورة ما هي إلا رمز لابن عمه (سيف الدولة).

الثنائيات الضدية

 تظهر صورة الذات القوية الشجاعة في مقابل الذات الضعيفة المأسورة، لتظهر لنا عدة وحدات دلالية على الصعيد التقابلي كالتقابل بين الذل والعز، وبين الضعف والقوة، الذي يظهر بالتالي:

1) عَصِي َالدَّمْعِ ⬅️ رمز للقوة والعز.

2) شِيمَتُكَ الصَّبْرُ ⬅️ رمز للقوة والعز.

3) أما لِلْهَوَى نَهْيٌ عَلَيْكَ وَلَا أَمْرُ ⬅️ رمز للقوة والعز.

4) مُشْتَاقٌ ⬅️ رمز للرقة والضعف.

5) عِنْدِيَ لَوْعَةٌ ⬅️ رمز للرقة والضعف.

6) مِثْلِي لَا يُدَاعُ لَهُ سِرُّ ⬅️ رمز للعز.

7) أذللت دَمْعًا ⬅️ رمز للهوان والذل.

8) مِنْ خَلَائِقِهِ الْكِبْرُ ⬅️ رمز للكبرياء والعز.

يمكن أنْ نستنتج أنَّ هذه الوحدات تؤدي إلى إحداث مجموعة من المفعولات الدلالية التي تولد عالم الذل والضعف، وعالم الكبرياء والعز اللذين من خلالهما يظهر الصراع في النص بين الرموز المتضادة.

مؤسسة مركز ورقات للتدقيق وتنسيق البحوث العلمية، كاتبة في عدد من المجلات، ناقدة أدبية، مختصة في الأدب والنقد، تملك شهادة ماجستير في اللغة العربية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نوفمبر 29, 2023, 12:16 م - دكار مجدولين
نوفمبر 29, 2023, 12:08 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 29, 2023, 8:46 ص - عبدالحليم عبدالرحمن
نوفمبر 29, 2023, 8:35 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 28, 2023, 8:40 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 28, 2023, 6:44 ص - نادر علالة الرزايقي
نوفمبر 27, 2023, 2:25 م - دكار مجدولين
نوفمبر 27, 2023, 11:03 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 26, 2023, 2:11 م - دكار مجدولين
نوفمبر 26, 2023, 2:03 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 26, 2023, 12:11 م - دكار مجدولين
نوفمبر 26, 2023, 11:15 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 26, 2023, 6:40 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 26, 2023, 6:23 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 26, 2023, 6:17 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 25, 2023, 1:02 م - اسامه سراج خالد
نوفمبر 24, 2023, 3:57 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 24, 2023, 9:40 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 24, 2023, 8:39 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 23, 2023, 3:57 م - عبدالله مصطفى المساوى
نوفمبر 23, 2023, 12:14 م - دكار مجدولين
نوفمبر 23, 2023, 9:02 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 22, 2023, 1:34 م - دكار مجدولين
نوفمبر 22, 2023, 11:38 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 21, 2023, 8:23 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 20, 2023, 12:48 م - دكار مجدولين
نوفمبر 20, 2023, 12:37 م - ميساء محمد ديب وهبة
نوفمبر 20, 2023, 12:33 م - جوَّك آداب
نوفمبر 20, 2023, 9:34 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 20, 2023, 8:27 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 19, 2023, 2:59 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 19, 2023, 12:45 م - دكار مجدولين
نوفمبر 19, 2023, 10:46 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 19, 2023, 10:21 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 19, 2023, 9:43 ص - سفيان صابر الشاوش
نوفمبر 19, 2023, 6:36 ص - سفيان صابر الشاوش
نوفمبر 19, 2023, 6:27 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 18, 2023, 12:25 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 18, 2023, 12:18 م - دكار مجدولين
نوفمبر 18, 2023, 10:02 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 17, 2023, 10:33 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 17, 2023, 10:20 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 16, 2023, 9:37 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 16, 2023, 9:20 ص - جوَّك آداب
نوفمبر 16, 2023, 6:28 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 15, 2023, 11:56 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 15, 2023, 10:45 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 15, 2023, 9:04 ص - مصطفى محفوظ محمد رشوان
نوفمبر 14, 2023, 10:03 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 14, 2023, 9:16 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 14, 2023, 5:32 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 13, 2023, 9:49 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 13, 2023, 9:43 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 13, 2023, 6:21 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 12, 2023, 12:43 م - جوَّك آداب
نوفمبر 12, 2023, 5:50 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 11, 2023, 4:56 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
نوفمبر 11, 2023, 3:35 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 11, 2023, 10:02 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 11, 2023, 8:57 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 11, 2023, 7:16 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 10, 2023, 1:27 م - دكار مجدولين
نوفمبر 10, 2023, 1:08 م - دكار مجدولين
نوفمبر 10, 2023, 12:51 م - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 9, 2023, 8:30 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 9, 2023, 8:04 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 9, 2023, 4:58 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 8, 2023, 8:18 م - دكار مجدولين
نوفمبر 8, 2023, 11:56 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 8, 2023, 10:53 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 8, 2023, 10:37 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 8, 2023, 9:54 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 8, 2023, 4:27 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 7, 2023, 10:44 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 7, 2023, 4:31 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 6, 2023, 10:52 ص - سيد علي عبد الرشيد
نوفمبر 6, 2023, 5:21 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 5, 2023, 11:25 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 5, 2023, 10:21 ص - دكار مجدولين
نوفمبر 5, 2023, 7:30 ص - سيد علي عبد الرشيد
نبذة عن الكاتب

مؤسسة مركز ورقات للتدقيق وتنسيق البحوث العلمية، كاتبة في عدد من المجلات، ناقدة أدبية، مختصة في الأدب والنقد، تملك شهادة ماجستير في اللغة العربية.